سنة الابتلاء

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)

أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ، عباد الله إن كثيرا من الناس ينشغلون بالأسباب ويهتمون بها اهتماما زائدا ، وينسون أن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله ، لا معقب لحكمه ، وهو الذي يقول في محكم التنزيل: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) ويقول: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) ويقول تعالى: (لله الأمر من قبل ومن بعد) ويقول تعالى: (ألا إلى الله تصير الأمور) فالأمور كلها بيد الله وحده لا شريك له ، إن الاعتناء بالأسباب كثيرا ما ينتقل إلى إنساء الإنسان تدبير الله سبحانه وتعالى للكون فيعتني بمتابعة هذه الأسباب وتحليلها حتى يصل إلى أوجه كثيرة من الغلط والنسيان ، تقتضي به الغفلة عن الله سبحانه وتعالى وعن تدبير شؤون هذا الكون ، إن الغافلين عن الله سبحانه وتعالى كثيرا ما يبتليهم بتسليط الشيطان عليهم فيدخل بهم في غياهب الظلمات وهم يبحثون وراء الأسباب فلا يصلون إلى شيء ، إنما تتراءى لهم كما يرون السراب ، وقد قال الله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب) إن من أمثلة العناية بالأسباب ما نشهده لدى كثير من الناس عندما يعتقل إنسان يبحثون عن سبب اعتقاله وينسون أن الأمر كله لله عز وجل إما أن يرفع بذلك قدره وإما أن يغفر به ذنبه وإما أن يبتليه به ليعود ويتوب من ذنب كان قد اقترفه ، وإما أن يكون ذلك دفعا لبلاء أعظم ، كل ذلك من تدبير الله سبحانه وتعالى للكون ، فإنه قد يبتلي عباده إذا أراد أن يدفع بهم ضرا عن الإسلام ، يبتليهم بالسجون والاعتقالات فيعتقل أنصار دين الله ودعوته من أجل أن يدفع الله بهم بلاء أعظم كان سيحيق بالأمة كلها ، وذلك من تدبير الله الماضي وهو من سننه الكونية السابقة وهو من سنة التدافع التي بينها الله في كتابه وبين أنها لو انعدمت لفسدت هذه الأرض ، فقال: (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) وإن الذين ينشغلون بهذه الأسباب يتلمسون أشبه ما يكون ببناء العنكبوت ، فيبحثون عن سر اعتقال فلان أو عزل فلان من الناس ، بأسباب واهية ، فربما ذكروا عن بعض الذين يعتقلون أنهم إنما اعتقلوا بسبب تقصير في أمر قد لا يكونون قصروا فيه أو بسبب زيادة وإسراف في أمر قد لا يكونوا قد أسرفوا فيه ، ولذلك كثيرا ما تسمعون أن أولياء الله وأنصار دعوته يعتقلون لأنهم بالغوا وتجاوزوا الحد المسموح به وتركوا الحكمة وراء ظهورهم ، وقالوا ما كان ينبغي لهم أن لا يقولوه ، أو فعلوا ما كان ينبغي لهم أن لا يفعلوه ، وهذا كله من وساوس الشيطان لا أصل له ، بل هي سنة ماضية ، ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه بمكة حين حصروا في الشعب ثلاث سنين ، ماذا فعل أيوب عليه السلام وقد ابتلي ثماني عشرة سنة ولم يبق أحد من أوليائه وأقاربه يسلم عليه أو يرد عليه السلام إلا رجلين من أصدقائه كانا أخص الناس به فأتياه وهو على قمامة لبني إسرائيل فوقفا عليه فقال أحدهما للآخر لقد أذنب أيوب ذنب لم يصبه أحد من العالمين من ثماني عشرة سنة وهو مبتلى يسأل الله فلم يستجب له ، فسمعهما أيوب فرفع إصبعه إلى السماء وقال: أي رب إنك لتعلم أني كنت أخرج من بيتي فأسمع الرجلين يتشاجران فيذكران الله عز وجل فأعود إلى بيتي فأتصدق لأكفر عنهما حين ذكرا اسمك ، فدعا الله سبحانه وتعالى وقال: (إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) فاستجاب الله له ورفع ما به من ضر وآتاه أهله ومثلهم معهم في لحظة واحدة ، قال الله له: (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) فركض برجله عند منتهى القمامة فثاب منها الماء فاغتسل به فزال ما به من الضر في ظاهره وشرب منه فزال ما من الضر بباطنه وأنزل الله عليه كسوة من كسا الجنة فلبسها فجاءت امرأته فما عرفته فقالت: أين المبتلى الذي كان هنا لعل الكلاب قد اختطفته ، فقال لها أنا أيوب ، فلم تصدقه في ذلك فعرف أنها لا تعرف نعمة الله سبحانه وتعالى فأقسم ليجلدنها مائة سوط ، فأنزل الله تعالى عليه: (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) فضربها بضغث من العراجين يبلغ مائة عرجون ضربة واحدة ، وقد قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قول الله تعالى: (رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) قال ذكرى للعابدين ليعرف المبتلون أنهم ما ابتلوا لهوانهم علينا ، وليقتدوا بأيوب في صبره على البلاء ، إن علينا أن نعلم أن أولياء الله سبحانه وتعالى لا بد أن يبتلوا في طريق دعوتهم وفي سبيلهم الذي سلكوه و اختاروه وهو طريق الجنة المحفوف بالمكاره ، ولا بد أن نعلم أن الأسباب التي يختلقها الناس إنما هي من البلاء أيضا فتراهم يتحدثون عن المضايقات وتراهم يتحدثون عن الكلام بغير دقة أو بغير صدق أو عن أفعال ما ، ليس لها أي مصداقية ولا أي وجود ، كل ذلك من الافتراءات والابتلاءات ، وتراهم ربما يتحدثون أيضا عن بعض الأرصدة ، وهم يعلمون أن أولياء الله لو كانوا يريدون الدنيا لنافقوا كما ينافق المنافقون ، ولعرفوا من أين تجمع ، ولكنهم يعلمون أن الذين يجمعونها من غير حلها ويضعونها في غير محلها هم الذين يلقون في النار الموصدة يوم القيامة ، وقد قال الله تعالى: (ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة) إن الذين يجمعون الأموال من غير حلها ويضعونها في غير محلها لا يتعرضون لمثل ما يتعرض له أولياء الله ، وهذا أصرح دليل على أن هذا إنما هو من البحث عن الأسباب الباطلة ، ومثل ذلك ما يبحثون عنه عندما يبتلي الله سبحانه وتعالى بعض المنافقين أو المكذبين أو الذين لا يبالون هذا الدين باله فيعجل الله لهم بعض ما يبتليهم به في هذه الحياة ، ولا يساوي شيئا مما يدخر لهم إن لم يتوبوا عند الله عز وجل (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) فيبحث الناس عن أسباب ذلك ويقولون فلان بدرت منه كلمة أو فعل فعلا وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن الأمر كله بيد الله وأن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يعجل شيئا من البلاء للناس فلا يمكن أن يرده عنهم أحد (قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون) (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير) (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده) (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده) إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يفعل ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ، والقلوب كلها بين أصبعين من أصابعه ولكن له الحكمة البالغة في كل فعل يفعله ، وقد قال سبحانه وتعالى (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي) فلذلك لا بد أن نعلم أن أمر الله سبحانه وتعالى نافذ وأن تلمس الأسباب هو الذي يوقع في هذه الغياهب والزلات ، وأن الذين يقنعون بالأسباب ويشتغلون بها ويغفلون عن تدبير الله فيها  إنما يتلمسون أمرا معدوما لا حقيقة له ، فإذا جاء القحط لم يتذكروا التوبة والرجوع إلى الله ، بل تذكروا أن تيار كناريا قد نقل الجبهة المدارية إلى موقع كذا.. وإذا جاء الغلاء  لم يتذكروا ابتلاء الله سبحانه وتعالى ولم يتذكروا الذنوب التي هي سبب الغلاء من انتشار الربا والغش والخداع وغير ذلك من كل ما هو مناف للصدق ، بل يبحثون عن الانكماش والتضخم في الاقتصاد ، فيحيلون ذلك إلى أسباب باطلة إنما هي من ابتلاء الله سبحانه وتعالى إن من سنة الله سبحانه وتعالى أنه لا يرفع شيئا من هذه الدنيا إلا وضعه وقد أخرج البخاري في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"كان حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه\" فما من أحد إلا وسيأتي يومه ، ما من أحد من أهل هذه الحياة الدنيا إلا وسيأتي يومه لكن ذلك متفاوت ، فأهل الإيمان والتقوى يومهم يوم مشرف ، يومهم هو في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، يومهم الذي يرجون أن يبيض الله وجوههم وأن يعطيهم كتبهم بأيمانهم ، وأن يناديهم سبحانه وتعالى بعد أن يدخلوا الجنة فيقول: (سلام قولا من رب رحيم) فلا ينظرون إلى شيء مما هم فيه ما داموا ينظرون إلى وجهه الكريم ، كل ما دون ذلك لا يقنعون به ولا يرضون به بحال من الأحوال ولو عرضت عليهم الدنيا بحذافيرها لما قنعوا بها التفتوا إليها أصلا لعلمهم أن كلما فيها هو زائل منقطع ولا يساوي شيئا مما يدخره الله لأوليائه ، ولذلك فإنما بينهم من العلاقة والصداقة إنما هو لله فلا ينقطع في هذه الحياة ولا ينقطع في الدار الآخرة ، قال الله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله) هذه ولايتهم في الحياة الدنيا وكذلك في الآخرة يقول الله تعالى: (إن المتقين في جنات وعيون أدخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) ويقول تعالى: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) فهم وفد الله سبحانه وتعالى وهم إخوان في الحياة الدنيا إخوان في الدار الآخرة على سرر متقابلين وهم الذين لا يحزنون إذا حزن الناس ولا يفزعون إذا فزعوا وقد قال الله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون) أما أهل الدنيا فإنما بينهم ليس لذات الله ولذلك ينقطع ، وقد جاء في الحكمة: ما كان لله استمر واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل ، فما بينهم من العلاقات والمحبة والمودة في هذه الحياة إنما هو على أساس ليدفع معور عن معور ، إنما هو على أساس المصالح المنقطعة ، ولذلك تجد بعضهم يجفو بعضا لأقل الأسباب وأدناها ، بل ربما طرده من مجلسه وقد كان قبل هذا المجلس أخص الناس به وأولاهم به وبذلك يعلم أن قلوبهم ليست صافية ولا خالصة وأن علاقاتهم ليست مبنية على أي أساس ، فلذلك علينا أن نعلم عباد الله أن أهل النفاق وأهل التصفيق يفرحون بولاية أهل الدنيا وبالقرب منهم ، وبالوصول إلى مناصبهم وينسون أن ذلك كله منقطع وزائل وأن الإنسان إذا بلغ أعلى ذلك وذروته فحينئذ قد بلغ إلى الزوال وآذن بالانتقال وهكذا حياة أهل الدنيا كلها ولهذا فإن الإنسان إذا كانت علاقته مع غيره لغير الله فمالأه على نصرة باطله فسيسلطه الله عليه لا محالة إما أن يسلط الكبير على الصغير وإما أن يسلط الصغير على الكبير ، ولهذا على أهل الباطل أن لا يثقوا بالمنافقين الذين يساعدونهم في نفاقهم ويغشونهم في أمورهم ولا ينصحون لهم وأن يعلموا أنهم أعداؤهم في الواقع ،  ولذلك قال الله تعالى: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) وقال تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا) وآية ذلك في هذه الحياة سرعة الانتقال والزوال والتقلب عن المواقف حتى إن أحدهم في نفس اليوم الذي كان فيه عزيزا صاحب قرار وقد كان سجانا يصبح مسجونا في نفس اليوم ، فهو سجان في الصباح وهو مسجون في المساء أو يتمتع ببيت وسيارة ومكانة فينتزع ذلك منه بجرة قلم دون أن يكون له حق المراجعة أو حق التأخير في أية لحظة من اللحظات إن الذي يعرف هذا تهون عليه علائق أهل الدنيا ويعلم أن كلها إلى الزوال ، وأن تقلبات هذه الحياة إنما هي على وفق مراد الله سبحانه وتعالى وتدبيره ، ولا يمكن أن تأتي إلا على وفق سننه الماضية ولا مبدل لكلمات الله ، صدق الله العظيم.

عباد الله إن من عرف هذا التقلب ينبغي أن يركن إلى الحي الذي لا يموت وأن تكون ولايته له سبحانه و تعالى وحده ، وأن يكون توكله عليه ، وقد قال الله تعالى: (فتوكل على الحي الذي لا يموت) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في توكله على الله عز وجل: \"والجن والإنس يموتون\" نهاية الأمر في هذه الحياة الذي يفصمها ويفصلها هو الموت ، فالذي يتوكل الإنسان عليه ويتقرب إليه ويعتمد على صداقته وولائه سيفرق بينه وبينه الموت ، وهو مفرق الأحبة ومباعد القلوب وسيأتي لا محالة (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وتاب علي وعليكم إنه هو التواب الرحيم.

الحمد لله على إحسانه والشكر له على تفضله وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشانه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وإخوانه.

عباد الله إن الإنسان في هذه الحياة بين خيارين فقط أن يكون من حزب الله أو أن يكون من حزب الشيطان ، وهو في الآخرة بين حالين فقط أن يكون من السعداء و أن يكون من الأشقياء (فمنهم شقي وسعيد) فلذلك على الإنسان أن يختار في هذه الحياة من أي الحزبين هو وليعلم مآل حزب الشيطان وسوء عاقبته وليتذكر أن الله إذا لم يرض عبدا لأن يكون من حزبه فسيبتليه بأن يكون في أسفل سافلين ، إذا لم يرضه الله عبدا لله فسيختاره عبدا لأخس خلق الله إما أن يكون عبدا للشيطان أو أن يكون عبدا لهواه لشهوة بطنه وفرجه أو أن يكون عبدا لأعداء الله من المخلوقين من الإنس أو الجن الذين لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم حياة ولا موتا ولا نشورا (وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب) ولذلك فإن الله يبتلي حزب الشيطان بالطمع والهلع ، فهم يطمعون في اللئيم الذي لا يملك شيئا وإذا ملكه فهو أحرص الناس عليه ، يبتليهم بالطمع في اليهود وأنتم تعرفون حالة اليهود وأنهم أخس أهل هذه الحياة وأنهم إخوان القردة والخنازير بنص كتاب الله وأنهم ألأم الناس وأحرصهم على حياة فكيف يطمع فيهم العاقل ، ويطمع كذلك في اللؤماء الذين لا يمكن أن يطمع فيهم من يعرفهم بحال من الأحوال ، وهم أبخل الناس وألأمهم وأذأمهم وهم الجبناء الذين لا يستطيعون دفعا ولا صولا ولا يستطيعون دفاعا عن أي حق ولا يقفون في وجهه بحال من الأحوال لضعفهم وخستهم أمام الله عز وجل ، ولذلك فإن كثيرا من المنافقين في زماننا هذا يبتليهم الله بالذلة والمهانة أمام أولياء الشيطان ، فهم يرتمون في أحضانهم ويسبحون بحمدهم ويقدسون لهم ويجعلون الدنيا كلها في أيديهم يتصورون ذلك ويقولنه و في قرارة أنفسهم أن هؤلاء إنما يطلب منهم الوصول إلى نفع مادي عاجل وبعد ذلك إذا تغير الحال فسنقلب لهم ظهر المجن ، وقد شاهدنا ذلك في كثير من الأحوال ، يكون الإنسان مرفوعا على الرؤوس لا يخاطب إلا بما يحب ، فإذا عزل من منصبه أو فقد مكانته أدبر عنه أولياءه وأخص المقربين إليه ولم يكادوا يردون عليه السلام ولا يحققون له أي مطلب وتنطلق الألسنة التي كانت منطلقة بمدحه بهجائه وتنطلق الألسنة التي كانت تشي إليه بالوشاية به وبذلك لا يعرف وليا ولا صديقا لأن هذه الصداقة لم تكن مبنية على أي أساس ، ولذلك فإن من ابتلاء الله للعبد أن يجعله عبدا لأخس العباد لو كان فيه خير لعبد لمن هو خير منه من عباد الله ، ولذلك فإن هؤلاء سيندمون ويكررون مع الشاعر حيث لا ينفعهم الندم:

ولو أني بليت بهاشمي       خؤولته بنوا عبد المدان لهان علي ما ألقى ولكن        تعالوا فانظروا بمن ابتلاني إنما يبتلون بأخس عباد الله وأدناهم ، فهؤلاء هم من عباد الأوثان ، واختار الله لهم من الأوثان شرها ، فعباد الأوثان الذين يعبدون حجارة لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم ، على الأقل عبدوا ما لا ذنب له ، فالحجارة ليس لها ذنب ، وهؤلاء إنما يعبدون أخس عباد الله الذين سلطهم الله على معصيته فشغلهم بها ليلهم ونهارهم مسرفون على أنفسهم سادرون في معصية الله لا يبالون باله وبهذا يعلم أن الله قد حجبهم وطردهم عن بابه غاية الطرد حين علق أسبابهم بهؤلاء ، ولذلك فإن من جبنهم ولؤمهم أنهم بعد أن يتغير الحال وبعد أن يصل الإنسان إلى المستوى الممقوت المكروه ، في كثير من الأحيان ، لا يتجاسرون عليه أيضا لأنهم يخافون أن تكون له عودة ورجعة ، عندما يعزل الإنسان تجد أشد الناس نفاقا يبادر إلى أن يمسك بشعرة معاوية أن يبقي على حد وسط بينه وبينه فلذلك إذا عاد إلى مكانه أو كانت له عودة بوجه من الوجوه حاول أن يجد وجها للاعتذار وأن ما بدر منه إنما كان مصروفا عن ظاهره ، ولذلك تجدون بعض الرؤساء المعزولين من الطغاة المختفين الذين يبحث عنهم العالم ويتسلط عليهم تسمعون كثيرا من المنافقين الذين كانوا يخافونهم في حال سلطانهم وملكهم ، اليوم يقولون سيعودون وسيكون لهم ما كان وستكون لهم صولات وجولات وما هذا إلا بمثابة عقيدة الرجعة التي يتشبث بها بعض المبتدعة الذين تمسكوا بها وظنوا أن الموتى سيبعثون في هذه الحياة مرة أخرى وقد كذب الله ذلك فقال: (ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون فإذا نفخ الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون).

عباد الله إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى فيه بملائكته وثلث بكم معاشر المؤمنين فقال جل من قائل كريما: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).

اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين وأوهن كيد الكافرين وانصرنا عليهم أجمعين ، اللهم أظهر دينك وكتابك على الدين كله ولو كره المشركون ، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر وتقام فيه حدودك يا أرحم الراحمين ، اللهم أخلف نبيك محمدا صلى الله عليه وسلم في أمته بخير ، اللهم أخلف نبيك محمدا صلى الله عليه وسلم في أمته بخير ، اللهم استجب دعاءنا اللهم استجب دعاءنا اللهم استجب  ، اللهم بيض وجوهنا يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وآتنا كتبنا بأيماننا تلقاء وجوهنا  وجوزنا على الصراط كالبرق الخاطف ، اللهم احشرنا تحت لواء محمد صلى الله عليه وسلم لواء الحمد ، اللهم ارزقنا التمسك بسنته عند فساد أمته ، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه واجعل تدبيره تدميره واجعل دائرة السوء عليه وأنزل به القوارع والمثلات وأنزل به بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين وأرنا فيه عجائب قدرتك ، اللهم شل أركانه وهدم سلطانه وشتت أعوانه وسلط عليه كلبا من كلابك ، اللهم لا ترفع لهم راية ولا تحقق لهم غاية واجعلهم لمن خلفهم آية ، اللهم أبدل المسلمين خيرا منهم ، اللهم عليك بأعدائك من كفرة أهل الكتاب الذين يحاربون أوليائك ويصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ، اللهم أنزل بهم القوارع والمثلات وأخرجهم من بلاد المسلمين صاغرين يا ذا القوة المتين ، اللهم طهر المسجد الأقصى من رجز اليهود  ، اللهم طهر المسجد الأقصى من رجز اليهود  اللهم طهر المسجد الأقصى من رجز اليهود ، اللهم كن للمستضعفين من المسلمين في كل مكان اللهم كن للمستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم فرج هم المهمومين ونفس كرب المكروبين ، واقض الدين عن المدينين وفك أسرى المسلمين يا أرحم الراحمين ، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يجاهدون لإعلاء كلمتك بالأيدي والألسنة والأموال ، اللهم وفقهم لما يرضيك واجمع على الحق قلوبهم وأيدهم بنصرك ، اللهم نصرك الذي وعدتنا إنك لا تخلف الميعاد ، اللهم وفقنا لما يرضيك واجعل عملنا خالصا لوجهك الكريم. اللهم اسقنا الغيث و لا تجعلنا من القانطين اللهم إن بالعباد و البلاد و الخلائق و البهائم من اللأواء و الجهد و الضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا اللهم أنزل لنا من بركات السماء و أخرج لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الغلاء و الوباء و الرباو الزنا و الزلازل و المحن  و جميع الفتن ما ظهر منها و ما بطن عن بلدنا هذا خاصة و عن سائر بلاد المسلمين عامة يا أرحم الراحمين

عباد الله (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه شكرا حقيقيا يزدكم ، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون يغفر الله لنا و لكم.

 

السبت, 11 ديسمبر 2010 18:19
 

آخر تحديث للموقع:  الاثنين, 22 ديسمبر 2014 16:06